محمد جمال الدين القاسمي

408

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم . وقولوا : آمنا بالله وما أنزل إلينا » . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 137 ] فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 137 ) فَإِنْ آمَنُوا أي أهل الكتاب الذي أرادوا أن يستتبعوكم بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ أي بما آمنتم به على الوجه الذي فصّل . على أن المثل مقحم . وقد قرأ ابن عباس وابن مسعود بما آمنتم به . وقرأ أبيّ : بالذي آمنتم به فَقَدِ اهْتَدَوْا إلى الحق وأصابوه كما اهتديتم . عكس ما قالوا : كونوا مثلنا تهتدوا وَإِنْ تَوَلَّوْا أي أعرضوا عن الإيمان بما آمنتم به . فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ أي فما هم إلا في خلاف وعداوة وليسوا من طلب الحق في شيء . قال القاضي : ولا يكاد يقال في المعاداة على وجه الحق أو المخالفة التي لا تكون معصية إنه شقاق . وإنما يقال ذلك في مخالفة عظيمة توقع صاحبها في عداوة الله وغضبه ولعنه ، وفي استحقاق النار ، فصار هذا القول وعيدا منه تعالى لهم ، وصار وصفهم بذلك دليلا على أن القوم معادون للرسول ، مضمرون له السوء ، مترصدون لإيقاعه في المحن ، فعند هذا أمنه الله تعالى من كيدهم وأمن المؤمنين من شرهم ومكرهم فقال : فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ تقوية لقلبه وقلب المؤمنين لأنه تعالى إذا تكفل بالكفاية في أمر حصلت الثقة به . وقد أنجز وعده بقتل قريظة وسبيهم « 1 » وإجلاء بني النضير « 2 » وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أتبع وعده بالنصر والكفاية ، بما يدل على أن ما يسرون وما يعلنون من أمرهم لا يخفى عليه تعالى . فهو يسبب لكل قول وضمير

--> ( 1 ) أخرج البخاري في : المغازي ، 30 - باب مرجع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة ومقاتلته إياهم : عن أبي أمامة قال : سمعت أبا سعيد الخدريّ رضي اللّه عنه يقول : نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ . فأرسل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى سعد . فأتى على حمار . فلما دنا من المسجد قال للأنصار « قوموا إلى سيدكم » أو « خيركم » فقال « هؤلاء نزلوا على حكمك » فقال : تقتل مقاتلتهم وتسبي ذراريّهم . قال « قضيت بحكم اللّه » وربما قال « بحكم الملك » . ( 2 ) أخرج البخاريّ في : المغازي ، 14 - حديث بني النضير ومخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إليهم : عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال : حاربت النضير وقريظة . فأجلى بني النضير وأقرّ قريظة ومنّ عليهم . حتى حاربت قريظة . فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين . إلا بعضهم لحقوا بالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فآمنهم وأسلموا . وأجلى يهود المدينة كلهم : بني قينقاع ، وهم رهط عبد الله بن سلام ، ويهود بني حارثة ، وكلّ يهود المدينة .